تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي

272

نظرية المعرفة

أولًا : لا شكّ أنّ ما ينفع في الحياة ويعطي الراحة والرفاهية ، وينشر السلام ويبسط الأمن والاستقرار ، أمر مطلوب جداً . غير أنّ الكلام في أنّ الإنسان هل يتمحض في الشؤون المادية ، من أمنه وسلامه ، وشَبَعه وارتوائه ، ورَوْحه وريحانه ، بحيث إنّ كل ما لا يمت إلى ذلك بصلة فهو مرفوض ، ويجب أن يشطب عليه بقلم عريض ، ويرمى بأنّه معدوم أو غير قابل للمعرفة ؟ أو أنّ للإنسان شئوناً أوسع من تلك ، وتتطلع نفسه إلى ما هو أبعد ، وإن لم يقع في طريق حياته ، أو يؤمن رفاهه ورغد عيشه ؟ إنّ تمحيض الإنسان وتلخيصه في المرحلة الأُولى ، نظرة إلى عالم الوجود بمنظارٍ ضيق . وإن التقوّل بأنّ كل ما لا يقع في خدمة « أنا » ، فهو ليس بموجود أو لا يعرف ، فكرة خاطئة ناشئة من أنانية ماديّة ، وتنزيل للإنسان من مقام إنسانيته الشامخ ، إلى درجة البهيمة الّتي لا يهمها إلّا ماؤها وعلفها . « 1 » وثانياً - إنّ تخصيص المعرفة بما يقع في طريق العمل وخدمة الإنسان ، كبح لجماح البعد العلمي الّذي اختمرت به النفس الإنسانية . وقد كشف علماء النفس أنّ للوجود الإنساني أبعاداً روحية مثلي ، هي : - روح الاستطلاع واستكشاف الحقائق . - حب الخير والنزوع إلى البِرّ والمعروف . - عشق الفن والجمال . - الشعور الديني . فإنّ البعدين الأول والثالث ، يدفعاننا إلى التعرّف على كلّ ما تناله قدرة العقل البشري ، سواء أكان راجعاً إلى الإنسان ( أنا ) أم لا . كما أنّ الشعور الديني يدفعنا إلى التعرف على ما يتصل بهذا الشعور . فتخصيص المعرفة بما ينفع في حياتنا المادية ، طمسٌ لهذه الأبعاد الفطرية المسلّمة عند علماء النفس .

--> ( 1 ) . قال أمير المؤمنين عليه السلام : « فما خُلِقْتُ لِيَشْغَلَني أَكْلُ الطيّبات ، كالبهيمة المربوطة ، هَمُّهْا علفها ، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُها تَقَمُّمُها ، تَكْتَرِشُ من أعلافها ، وتلهو عما يراد بها » . ( نهج البلاغة ، قسم الكتب ، من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حُنَيْف ) .